فهرس الكتاب

الصفحة 12426 من 18318

ثالثًا: اعتراف بنعمة الله عليه من التوفيق والهداية، واعتراف بقصور النفس عن بلوغ حد الشكر رجاءً وخوفًا، ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وأحوال من تبعهم بإحسان - رضي الله عنهم - وجدهم غاية الإحسان في العمل مع غاية الخوف، وإليك بعض الأمثلة.

فهذا الصديق - رضي الله عنه - أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كثير البكاء؛ كان يقول: «ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» ، وهو رضي الله عنه القائل: «وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن» . والقائل: «والله لوددت أني كنت شجرة تؤكل» .

وهذا عمر - رضي الله عنه - قرأ سورة الطور حتى إذا بلغ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعاده الناس.

وكان في وجهه - رضي الله عنه - خطان أسودان من كثرة البكاء.

وهذا عثمان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبتل لحيته.

وكان كثير الخشية من يوم العرض على الله مع إحسانه رضي الله عنه.

وهذا علي - رضي الله عنه - كان كثير البكاء والخوف وكان يشتد خوفه من اثنين: طول الأمل واتباع الهوى، أما الأول فينسي الآخرة، وأما الثاني فيصد عن الحق، والأمثلة كثيرة من سيرة الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لكني أرى ضيق المكان والزمان عن عرض الأمثلة فاكتفي بما ذكره البخاري عن ابن أبي مليكة أنه قال: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه» .

وكان الحسن يقول عن النفاق: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق.

وقال ابن القيم - رحمه الله - وهو يستعرض هذه النماذج: هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم جمعوا بين إحسان العمل وسوء الظن بأنفسهم، أما نحن فقد جمعنا بين التقصير - بل التفريط - والأمن، وإذا كان هذا قول ابن القيم عن نفسه وأهل زمانه فماذا نقول نحن اليوم؟

ولقاؤنا في العدد القادم إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت