أما القوانين والمبادئ الوضعية التي شرعها الإنسان فإنها لا تظفر بهذا المقدار من الاحترام والهيبة إذ ليس لها سلطان على النفوس ولا يقوم على أساس من العقيدة الحقة والإيمان الصحيح كما هو الحال بالنسبة للإسلام ولهذا فإن النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك وقدرة على الإفلات من ملاحقة القانون وسلطان القضاء ورأت هذه المخالفة اتباعًا لأهوائها وتحقيقًا لرغباتها. والواقع خير شاهد على ما نقول ولننظر بعد ذلك كيف أتي ماعز والغامدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقروا على نفسيهما لإقامة الحد عليهما لما زنيا فيرجعهما النبي صلى الله عليه وسلم مرة بعد أخرى وهما يصران على تطهير نفسيهما لاشك أنها رقابة الله وخوف الله هو الذي دفعهما لذلك ولما نزل تحريم الخمر يروي أنس ويقول: كانت الكؤوس تدار على رأس أبي طلحة وأبي عبيدة وأبي دجانة وسهيل بن بيضاء ومعاذ بن جبل إذ سمعنا أن الخمر قد حرمت يقول فما دخل علينا داخل وما خرج منا خارج حتى كان منا من اغتسل ومنا من توضأ وأصبنا من طيب أم سليم ثم خرجنا إلي المسجد وفي رواية قلنا: «انتهينا ربنا انتهينا» قالوا ذلك لما سمعوا قول ربهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90 - 91] .
فكانت المسارعة بالتنفيذ دون تلكؤ أو تردد أو شك أو ارتياب وقام المسلمون إلى زقاق الخمر فأراقوها وإلي دنانه فكسروها وغرقت شوارع المدينة يومئذ بالخمر.
عجز القوانين الأرضية