فهي على قول بعض المفسرين تتعلق بالقرآن وكل قضية لها حكمها في كتاب الله إما إجمالًا وإما تفصيلًا والأفعال أو الأقوال التي تصدر عن الإنسان بل الخلجات والأفكار التي تدور في النفوس أو القلوب لها حكمها في دين الله وهي تأخذ حكما من الأحكام الخمسة (واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام) والإنسان الذي حمل الأمانة على ظلمه وجهله إذا نصب من نفسه مشرعًا وإلهًا مع الله لابد أن تتسم تشريعاته ونظمه ومناهجه بالظلم والجهل والقصور والهوى والنقص - ولذلك رأينا القوانين والنظم الوضعية تفصل فصلًا مريبًا بين القواعد الأخلاقية والقواعد القانونية فلا مكان فيها للأخلاق في الوقت الذي امتزجت فيه الأخلاق بالأحكام الشرعية امتزاجًا كاملًا فلا ضرر ولا ضرار والمعصية لا تواجه بالمعصية والخطأ ونحرص على تقوى الله فيمن لا يتقي الله فينا، هذا الالتزام يتأكد في أحرج الظروف وأدق الأوقات ولذلك لما أتى أبو جندل يستصرخ بالمسلمين يوم الحديبية وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أبرم الاتفاقية أو العهد مع أبيه (سهيل بن عمرو) أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع وقال له: (يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك عهد الله وإنا لا نغدر بهم) وقال أيضًا: (إنا لا يحل في ديننا الغدر) [أخرجه البخاري وأحمد]
فهذا معنى من معاني شمول الشريعة فالعهود كان يبرمها النبي صلى الله عليه وسلم الذي أقام دولة بالمدينة وفق شرع الله وفي ذات الوقت امتزجت المعاني الأخلاقية بالوعود والعهود امتزاجًا لن تجد مثله في السياسات الميكافيلية والغاية فيها تبرر الوسيلة كما هو معلوم.