ووجه دلالة الآية الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استغفر لعمه أبي طالب واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين وأنزل اللَّه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] . ندموا على استغفارهم للمشركين بينت الآية أن استغفارهم لهم قبل التحريم على البراءة الأصلية لا إثم عليهم فيه ولا حرج حتى بيَّن الله ما يتقونه كالاستغفار لهم مثلًا.
ومثال ذلك أنه قبل ورود الشرع لم تجب علينا صلاة، فلما ورد الشرع بإثبات خمس صلوات، وجبت، ولم تجب صلاة سادسة.
ودليل عدم وجوب صلاة سادسة هو الاستصحاب، فإن الصلاة السادسة كانت قبل ورود الشرع منتفية، فاستديم هذا الانتفاء، واسُتصحبَ، لأن الشرع لم ينقلنا عنه.
وكذلك عدم وجوب صوم شوال، وعدم إخراج نصف المال صدقة.
النوع الثاني: استصحاب دليل الشرع، وله فرعان:
1 -استصحاب عموم النص حتى يرد تخصيص: معنى هذا أنه يجب العمل بعموم اللفظ وتطبيق الحكم على أفراده ولا يستثنى من ذلك شيء إلا بدليل، وذلك لأن تعطيل العموم بدعوى البحث عن التخصيص تعطيل للشريعة، بل الصواب أن يعمل بما يقتضيه عموم اللفظ حتى يرد مخصص، فإن وجد، استخرج من العموم ما تناوله اللفظ الخاص، وظل اللفظ عامًا في بقية الأفراد.
ومثال ذلك أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في غزوة سيف البحر لما لم يبق معهم طعام وقذف البحر حوتًا ميتًا على شاطئه، فإنه أبى أن يأكلوا منه اعتمادًا على الاستصحاب للدليل العام في تحريم الميتة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} .
ولم يكن قد وصل إليه التخصيص عن النبي صلى الله عليه وسلم بحلِّ ميتة البحر، كما بالحديث: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» .
ثم لمَّا كادوا يشرفون على الهلاك جوَّز لهم لقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} .