ومشركو العرب لم يسلموا للقرآن مع أنه أخذ بمجامع قلوبهم واستولى على عقولهم وطلبوا غيره من المعجزات كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90] ، وقد قابل هؤلاء المكذبين فريقٌ اطمأنت قلوبهم وانشرحت صدورهم لآيات الأنبياء، فسلموا بها وخضعوا لرب الأرض والسماوات، وكانت المعجزة الكبرى التي أيدَّ الله بها نبيه ومصطفاه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم «القرآن الكريم» ، وهو وإن أجرى الله على يديه معجزات حسية كثيرة - سيأتي الإشارة إلى بعضها ـ إن شاء الله ـ إلا أن القرآن الكريم هو أعلاها وأشرفها، فهو المعجزة الباقية الخالدة، وكفى به من معجزة، وما كان ينبغي للكافرين أن يبحثوا عن معجزة أخرى معه، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (15) } [العنكبوت: 50، 51] ، فهاتان الآيتان بينتا كثرة جهل المشركين وسخافة عقولهم، حيث طلبوا آيات تدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاءهم بالقرآن الذي هو أعظم من كل معجزة، وهو وحده آية وعلامة من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، ويغني عن معجزات غيره وآيات سواه من الأنبياء - صلوات الله عليهم - قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره للآية: «أي: أولم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدًا من أهل الكتاب، وجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، وبيان الصواب مما اختلفوا فيه وبالحق الواضح البين الجلي كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ