قلت: قد أخبر الله في القرآن الكريم عن جهل المشركين وقلة عقولهم وسفاهة قولهم، فقال: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] ، فحاروا ماذا يقولون فيه، وكل ما قالوه فيه فهو باطل، قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الفرقان: 9] ، وقد فرض القرآن الكريم إعجازه على كل من سمعه مع تفاوت مراتبهم في البلاغة، وقد تحير المشركون - كما أشرت - في وصفه بعد أن عجزوا عن معارضته، يقول الباقلاني (4) - رحمه الله-: «الذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن أنه تحداهم حتى طال التحدي وجعله دلالة على صدقه وثبوته، وتضمن أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه بأمر قريب هو عادتهم في لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال، وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي، فلما لم يحصل هناك معارضة منهم عُلم أنهم عاجزون عنها، وقد بذلوا له السيف، وخاطروا بنفوسهم وأموالهم، فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرد عليه وإلى تكذيبه بأهون سعيهم ومألوف أمرهم، وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه جبين أو يشتغل به خاطر، وهو لسانهم الذي يتخاطبون به، مع بلوغهم في الفصاحة النهاية التي ليس وراءها مطلع، والرتبة التي ليس وراءها منزع، ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره، وتكذيب قوله، وتفريق جمعه، وتشتيت أسبابه، وكان من صدق به يرجع على أعقابه، فلما لم يفعلوا شيئًا من ذلك مع طول المدة ووقع الفسحة، وكان أمره يتزايد حالًا فحالًا، ويعلو شيئًا فشيئًا، وهم على العجز عن القدح في آيته والطعن في دلالته، عُلِم مما بينا أنهم