ولكن من المستطيع ومن الذي يقدر على المواجهة؟ إن القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته، وقد ثبت تاريخيًا أنه أصدق وأدق كتاب حفظ على وجه التاريخ كله، وقد تعهد ربنا بحفظه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وقد تضافرت جميع صور الحفظ له من كتابة في المصحف، وحفظ في الصدور، وتلاوة آياته ليلًا ونهارًا في الصلاة والتعبد به، ومراجعة لآياته في معرفة أحكام الشريعة، إن القرآن الكريم قد عجز الإنس والجن أن يأتوا بمثله، هذه حقيقة لا يجادل فيها أحد، ولا ينكرها أحد من خصوم الإسلام، بل وأشدهم عداوة له؛ إذ كانت أكبر من أن تنكر، وقد حاول الكفار على مدار التاريخ أن يقعوا فيه على سقطة، أو يعثروا على عثرة، فلم يجدوا - وحاشاه - وباؤوا بعد ذلك بالنكال والخسران. وبعد أن بينت عجز العرب وغيرهم عن معارضة القرآن أود أن أشير إلى شيء من وجه الإعجاز فيه، فمن ذلك أنه تضمن الإخبار عن الغيوب، وعلم الغيب لله وحده: {قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] ، فلا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفة ما استأثر الله بعلمه، وقد ظهر صدق ما أخبر به في حينه، ومن ذلك ما وعد الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من إظهار دينه على الأديان، وقد تم ذلك بحمد الله، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - يُعَرِّفُ جيوشَهُ التي يرسلها ما وعد الله به من إظهار دينه وعلو كلمته حتى يثقوا بالنصر الموعود، وكان عمر - رضي الله عنه - يفعل ذلك في أيامه، وقال الله عز وجل في أهل بدر: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] ، وقد وفى سبحانه لهم بما وعد.