«السحْرُ» يُطلق في اللغة ويراد به كل شيء خَفِي سَبَبُه ولَطُف، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «إن من البيان لسحرًا» ، وهذا ليس بمذموم إلا بحسب موضوعه، وليس هذا المقصود من السحر المذكور في الآيات الكريمة التي بين أيدينا، إنما المراد هنا السحر المذموم وهو الذي نهى عنه الشرع الحنيف، وهذا السحر يؤثر في بدن المسحور وعقله وهو أنواع بحسب تأثيره، وذلك خلافًا لرأي المعتزلة ومن ذهب مذهبهم من الذين ينكرون حقيقة السِّحر؛ وقولهم هذا مرجوح، وما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم سلفًا وخلفًا من وقوع السحر حقيقة هو الرأي الصحيح الذي يؤيده النقل والعقل والواقع ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأدلة الكثيرة على ذلك.
قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} ، «ما» موصولة بمعنى «الذي» ، والجملة معطوفة على جملة «واتبعوا ... » ، والمعنى أي واتَّبع اليهود كذلك السّحر الذي أُنزل على الملكين ببابل، وقيل: إن «ما» في قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} نافية أي: لم ينزل على الملكين ببابل، قال ابن الأنباري: وهذا الوجه ضعيف جدًا لأنه خلاف الظاهر والمعنى، فكان غيره أولى، والحق أن من قال بهذا القول أوقع نفسه في سلسلة من التقديرات والتأويلات ذهبت به بعيدًا والراجح هو القول الأول.
التفريق بين السحر والمعجزة