الوجه الأول: حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان هذا الكلام، قد خُصُّوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان (6) ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، جعل الله لهم ذلك طبعًا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة، ولهم الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والبلاغة ملك قيادهم، قد حووا فنونها واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، فما راعهم إلا رسول كريم، بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، أحكمت آياته، وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، واعتدل على إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه، وهم - أي العرب - أفصح ما كانوا في هذا الباب مجالًا، وأشهر في الخطابة حالًا، وأكثر في السجع والشعر ارتجالًا، وأوسع في الغريب واللغة مقالًا، ولم يزل يقرعهم صلى الله عليه سلم أشد التقريع، ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب والتكذيب والإغراء والافتراء، ولهذا وجدناهم مرة يقولون: {إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} [المدثير: 24] ، ومرة: {إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4] ، ومرة ينهون الناس عن الاستماع إليه: {لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 36] ، وهذه حيلة العاجز عن المواجهة، القاصر عن المنازلة، وهذا هو فعل الكافرين والمشركين اليوم، الذين يحاولون صرف الناس عن القرآن وإشغالهم باللهو الباطل، والغناء الماجن، وهم يعلمون - كأسلافهم في الماضي - أنه لا حيلة لهم أمام إعجاز القرآن