ثم نجد البوصيري، يقرر في (بردته) التي أصبحت فيما بعد (ترنيمة جنائزية) و (أنشودة صوفية) :
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
أما البكري، فإننا نجده أكثر صراحة، أو .. وقاحة .. حينما يعلن مخالفته للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا تطروني كما أطرت النصاري عيسى بن مريم) !
فنجده يستعمل في شعره الذي يمدح به الرسول - على حد زعمه - حتى العبارات النصرانية ... كالناسوت ... والهيولي .. فهو يقول:
قبضة النور من قديم أرتنا ... في جميع الشئون قبضا وبسطا
وهى أصل لكل أصل تبدي ... بسطت فضلها على الكون بسطا
وهى وترقد أظهرت عدد الشفـ ... ـع، بعلم فجل حصرا وضبطا
ولدت شكلها فأنتج شكلا ... بشريا أقام للعدل قسطا
وهو عبد قد حررته لديها ... بيديها، وكم أفاد وأعطى
حققته بحقها فهو حق ... جاء بالحق ينظم الخلق سمطا
لنقوش النفوس حقق، والرو ... ح أرته في اللوح شكلا ونقطا
عالم منه آدم علم السر ... وعلم الأشياء رسما وخطا
هى ناسوت أنسنا والهيولا ... شمس سر الوجود بكرا وشمطا
كل شيء معناه، والكل منه ... وعليه مبناه، ما اختل شرطا
وتتحول هذه الزندقات على ألسنة القوم إلى دعوات وصلوات، فنري ابن مشيش يقول في (وظيفته) المعروفة:
(اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه منا سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا وهو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب - كما قيل - الموسوط) .
ويقول الحلواني، في (شطحة صوفية) - وما أكثر شطحات الصوفية في القول والعمل:
أنشاك نورا ساطعا قبل الورى ... فردا لفرد، والبرية في العدم
ثم استمد جميع مخلوقاته ... من نورك السامي، فياعظم الكرم
فلذا إليك الخلق تفزع كلهم ... في هذه الدنيا، وفي اليوم الأهم
وإذا دعتهم كربة فرجتها ... حتى سوى العقلاء في ذاك انتظم