قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} : الصاخة هي صيحة يوم القيامة، هي النفخة التي ينفخها إسرافيل عليه السلام، سُميت كذلك لأنها تَصُخُّ الآذان من شدّتها، وتَحدُثُ بسببها أهوالٌ عظام تجعلُ الإنسانَ ينشغل بنفسه عن أقربِ الناس منه، وأحبّهم إليه، ولذا قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} قال العلماء: بدأ الله سبحانه بذكر الحبيب ثم الأحبّ، فالأخُ حبيب، لكنّ الأبوين أحبّ، والزوجة أحبّ منهما، وأحبّ منها البنون، فإذا فرّ الإنسان من بنيه وهم أحبّ شيء إلى نفسه فلن يسأل عن غيرهم، لأنه قد أتاه ما يَشْغَلُه بنفسه عن كل شيء، ولذا قال تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} حتى إنّ الإنسان لينشغل بنفسه عن رؤية من حوله، ولذا لما قال النبي صلى الله عليه سلم: «يُحْشَرُ الناس يومَ القيامة حفاةً عراةً غرلًا» . قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، النساء والرجال جميعًا، ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال صلى الله عليه سلم: «يا عائشة، الأمرُ أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض» . {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} .
الله أكبر! ما أشدّ هول هذا اليوم! أيّ هولٍ هذا الذي يعمي الإنسان حتى لا يرى مَنْ حوله ولا يعرفهم! نسأل الله السلامة والعافية.
وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أَوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} أي أنّ النّاس في هذا الموقف يكونون قسمين: وجوهٌ مسفرةٌ أي: مستنيرة، ضاحكة مستبشرة أي مسرورة فرحة، ووجوهٌ مسودة عليها غبرة ترهقُها قترة، عياذًا بالله.