فهرس الكتاب

الصفحة 1302 من 18318

فالله في سورة العلق يستفتح استفتاحا يجمع معاني التربية والقدرة ويجلى جوانب القوة التي يكلأ الله بها هذا الدين، ويثير غرائز التطلع والمعرفة فيمن يتلقونه، ويرتفع برسوله إلى حيث يرى الناس أقزاما ضعفاء أصلهم علق {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم} وكما يدفع إلى التفكير والبحث والاستقصاء ما أمكن الاستقصاء عند الإشارة إلى الخلق والإنسان والعلق. يقف رسوله على الطبيعة الوعرة في هذا الإنسان وعلى ضوء هذه المعرفة يستطيع أن يحدس ويحزر [الحدس: التخمين، والحزر: التقدير والحرص] أعداءه، ويعد الدواء ويحدد الأسلوب الذي يتعامل معهم به {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} .

ثم يرفع أمام الأنظار مثلا من أمثلة الطغاة المستغنين متعجبا مستحمقا منددا بالطغيان. حتى إذا وضحت الصورة شجبها بقوته وجبروته وأحاطها بالصيحة التي تتخلع لها الأفئدة {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت ان كان على الهدى أو أمر بالتقوى، أرأيت إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى} ثم تأتي السفعة الآخذة المؤدبة {كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية} .

وهكذا يربي الله رسوله على الاعتزاز بالله والثقة بالعاقبة والاطمئنان إلى الركن الشديد يؤويه {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوى عزيز} المجادلة.

ومن ذلك أن الله يبسط أمام رسوله أسباب الخير فيوقن أن يومه خير من أمسه، وأن غده خير من يومه وأن الله يدرج به في مراقي الكمال حتى ينتهى إلى الخير المطلق {وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى} . وبذلك يكون على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه وحتى تتأصل جذور هذا الإحساس فيه يسوق له شواهد من نفسه وبراهين من حاله {ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغني} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت