وقد بيَّن السياق أن النهي هنا للتنزيه لئلا يضعف الجالس عن أداء الحق الذي عليه، وأشار بغض البصر إلى السلامة من التعرض للفتنة بمن يمر من النساء وغيرهن.
وبكف الأذى إلى السلامة من الاحتقار والغيبة ونحوها، وبرد السلام إلى إكرام المار، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولمَّا قالوا: ما لنا منها بدٌّ، ذكر لهم صلى الله عليه سلم المقاصد الأصلية للمنع، فعرف أن النهي الأول للإرشاد إلى الأصلح، ويؤخذ منه أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، والمصلحة لمن عمل بحق الطريق، وهذا فيه سد الذرائع.
وفي رواية مسلم: كنا قعودًا بالأفنية (وهو المكان المتسع أمام الدار) ، وفيه دليل على أن أمره لهم لم يكن للوجوب، وإنما كان للترغيب والأولى، ويحتمل أن يكونوا رجوا وقوع النسخ تحقيقًا لما شكوا الحاجة إلى ذلك، ويؤيده مرسل يحيى بن يعمُر: فظن القوم أنها عزمة، وفي حديث أبي طلحة، فقالوا: إنما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتحدث ونتذاكر. [فتح الباري بتصرف] .
فالصحابة يجلسون أمام بيوتهم (كما هو بالقرى) لضيق بيوتهم ولعدم التضييق على النساء، ومع ذلك ينهاهم رسول الله صلى الله عليه سلم عن الجلوس إلاَّ إذا أدَّوا حق الطريق، وانظر إلى أقوام يجلسون في الطرقات وعلى المقاهي يرتكبون كلَّ ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه سلم وأكثر منه!! يقلبون أعينهم فيما حرَّم الله تعالى.
وقد قال الشاعر:
كل الحوادث مبداها من النظر
ومعظم النار من مستصغر الشرر
والمرء ما دام ذا عين يقلِّبها
في أعين الغيد موقوف على الخطر
الاستئذان
من الأساليب الوقائية التي شرعها الله تعالى لإقامة المجتمع على الحياء والعفة.