كما أن منهج أهل الحديث والحق في الإسلام بين سائر الفرق هو المنهج الوسط في الإمامة والولاية، خلافًا لمن ذهب إلى تكفير الأئمة، والخروج عليهم، وعدم السمع والطاعة بالمعروف لهم، وخلافًا لمن يرى المغالاة فيهم، ويجعلهم معصومين من الخطأ والنقيصة، والحق كل الحق، والعدل كل العدل، ما كان عليه أئمة الهدى والدين من السلف الصالح والتابعين الذين قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. ديدنهم في ذلك سنة المصطفى في السمع والطاعة والألفة والاجتماع، لا في المعصية والعناد والفرقة والابتداع، لعلمهم الجازم بأن النبي بيّن أن من خرج من السلطان شِبْرًا مات مِيتة جاهلية، كما في الصحيحين وغيرهما.
ومن هذا المنطلق- عباد الله- عُنِيَ السلف الصالح بمسألة الإمامة، وجعلوها من جملة أبواب الاعتقاد وأصول الدين، وأكثروا الحديث عنها، وفصّلوا فيها القول، وما ذاك إلا لعظم شأنها وخطورة سوء الفهم تجاهها، وأن مبدأ التعامل مبني على العلم والأثر لا على العاطفة والنظَر؛ لما يترتب على ذلك من مراعاة المصالح والمفاسد العامة الطاغية على المفاسد والمصالح الخاصة، ولهذا بيّن أهل العلم حاجة الأمة إلى السلطان، ووجوب بيعته البيعة الشرعية، كما بيّنوا وجوب السمع والطاعة في غير معصية الله، عملًا بما جاء عن النبي أنه بعث جيشًا وأمَّرَ عليهم رجلًا فأوقد نارًا، فقال: ادخلوها. فأرادوا أن يدخلوها، وقال آخرون: إنما فررنا منها. فذكروا للنبي فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: «لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة» ، وقال للآخرين: «لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف» رواه البخاري ومسلم.