فهرس الكتاب

الصفحة 13098 من 18318

وقد بيّن أهل العلم أيضًا حرمة الخروج على السلطان أو ملاقاته بالسيف، وأنه يجب على الرعيّة مَحْضُ النصح له؛ لقول النبي: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن لا تعبدوا إلا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم» رواه أحمد. ولم يكتف أئمة العلم والهدى بمطلق النصح لولي الأمر، بل قيّدوا ذلك في السّر دون العلانية؛ درءًا للفتنة وخروجًا من التشهير والتعيير، لما رواه ابن أبي عاصم في كتاب السُّنّة مرفوعًا إلى النبي أنه قال: «من أراد أن ينصح لذي سلطان في أمر فلا يُبْدِهِ علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه له» . ولما جاء في الصحيحين في الذين قالوا لأسامة: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: قد كلمته ما دون أن أفتح بابًا أكون أول من أفتحه، وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميرًا على رجلين: أنت خير ... الحديث. وقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله كلامًا عن معنى هذا الحديث: «وهو أن قصد أسامة بقوله: (قد كلمته سرًا دون أن أفتح بابًا) ، أي باب الإنكار على الأئمة علانية؛ خشية أن تفترق الكلمة، ثم عرَّفهم أنه لا يُداهِن أحدًا، ولو كان أميرًا، بل ينصح له في السّر جهده» انتهى كلامه رحمه الله.

وقد نقل ابن عبد البر عن أيوب ابن القَرْيَة قال: «أحق الناس بالإجلال ثلاثة: العلماء والإخوان والسلطان، فمن استخفّ بالعلماء أفسد مروءته، ومن استخفّ بالسلطان أفسد دنياه، والعاقل لا يستخفّ بأحد» .

ثم اعلموا- رحمكم الله- أن البيعة الشرعية فيها حقّان: أحدهما حق للإمام كما ذكرناه آنِفًا، وأما الآخر فهو حق للرعية بإقامة شرع الله فيهم، ونشر الحق والعدل بينهم، والسعي في مصالحهم العامة والخاصة، وتدوين الدواوين ومراعاة المصالح المرسلة التي تعتري الناس بين الحين والآخر، ومنع الظلم والبغي والفساد، وما يسبّب الفرقة بين المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت