فهرس الكتاب

الصفحة 13146 من 18318

كما أن القول بمبدأ تفويض معاني الصفات ونفيها وعدم إثباتها هو السبيل الذي ألجأ الملاحدة القدامى من فلاسفة المسلمين إلى إنكار معاد الأجسام في الآخرة لأنهم اعتبروا القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص الصفات، إذ بموجب القول بنفي الصفات وعدم إثباتها، «احتج الملاحدة كابن سينا وغيره على مثبتي المعاد وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم، وزعموا أن الرسول صلى الله عليه سلم لم يبين ما الأمر عليه في نفسه، لا في العلم بالله تعالى ولا باليوم الآخر فكان الذي استطابه على هؤلاء هو موافقتهم لهم على نفي الصفات، وإلا فلو كانوا آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت المعارضة ودحضت حجتهم، ولهذا كان ابن النفيس المتطبب الفاضل يقول: (ليس إلا مذهبان مذهب أهل الحديث أو مذهب الفلاسفة، فأما هؤلاء المتكلمون، فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف، وأهل الحديث أثبتوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه سلم وأولئك جعلوا الجميع تخييلًا وتوهمًا، ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث) .

ويستلزم القول بالتفويض في معاني الصفات أيضًا ونفي المعرفة لمعاني صفاته تعالى المثبتة، الاستدراك على الله تعالى وتكذيبه لكونه سبحانه الذي «أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله، وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في الصدور، وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في باب الصفات والقدر والأفعال، واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان» (28) ، ونفي معاني الصفات المثبتة بهذا فضلًا عن كونه تكذيب لله، هو ضرب لكتاب الله بعضه ببعض، وهو ما حذر صلوات الله وسلامه عليه منه فقال: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم) لما في ذلك من فتنة العامة بل والخاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت