فهذه العبارات إذا صدرت من أحد الحفاظ المعروفين ولم يتعقبه أحد كفى للحكم على الخبر بالرد، ففي «تدريب الراوي» (1/ 296، 297) ، قال السيوطي: «إذا قال الحافظ المطلع الناقد في حديث «لا أعرفه» اعتمد ذلك في نفيه»، ثم قال السيوطي: «لأنه بعد تدوين الأخبار والرجوع إلى الكتب المصنفة يبعد عدم الاطلاع من الحافظ الجهبذ على ما يورده غيره» .
رابعًا: لفظ آخر لقصة الأعرابي والمحاسبة.
ولهذا اللفظ اشتهرت القصة وانتشرت على ألسنة القصاص والوعاظ، ومما ساعد على انتشارها أن البعض يتقرب إلى الله تعالى بطبع هذه القصة الواهية وتوزيعها على الناس في المساجد والطرقات ومن الطبعات التي وصلت إلينا حول هذه القصة وجدنا مكتوبًا في نهاية القصة هذه العبارة: «اللهم اغفر لكل من نقلها ونشرها ووالديه ولا تحرمهم الأجر يا كريم» .
قلت: انظر كيف وصل الحد إلى ترويج هذا الكذب، ولم يدر من يفعل ذلك أنه داخل تحت الوعيد في قوله صلى الله عليه سلم: «مَنْ حَدَّثَ عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» . رواه مسلم.
هذا حكم من سكت عن الأحاديث الضعيفة في الفضائل! فكيف إذا كانت في الأحكام ونحوها؟
واعلم أن من يفعل ذلك فهو أحد رجلين:
1 -إما أن يعرف ضعف تلك الأحاديث ولا ينبه على ضعفها، فهو غاش للمسلمين، وداخل حتمًا في الوعيد المذكور، قال ابن حبان في كتابه «الضعفاء» (1/ 7 - 8) : «في هذا الخبر دليل على أن المحدث إذا روى ما لم يصح عن النبي صلى الله عليه سلم مما تقول عليه وهو يعلم ذلك يكون كأحد الكاذبين، على أن ظاهر الخبر ما هو أشد قال صلى الله عليه سلم: «من روى عني حديثًا وهو يرى أنه كذب» . ولم يقل: إنه يتقن أنه كذب - فكل شاك فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح داخل في ظاهر خطاب هذا الخبر».
ونقله ابن عبد الهادي في «الصارم المنكى» (ص165 - 166) ، وأقره.