فهذه الكلمة الباغية الجائرة منقوضة في شمولها وفي تخصيصها، ولا يستطيع منصف بعض الإنصاف أن يجد لها في العقل مخرجًا، ولا في التاريخ شاهدًا، ولا في الفرض المطلق وسيلة إلى تحقيق طرف منها، وهي لا تصح في أحد محمليها إلا كانت حكمًا على عامة الصحابة والتابعين والفقهاء وخاصتهم بالكفر البواح، فلينظر امرؤ أين يُنزل عقله؟ وفيم يورّط دينه وتقواه؟ وإلى أي قرار تهوى به كلمة تعجب هواه ويستخفها لسانه، ويتغذى بها غروره بنفسه؟
ولم أجعل همي في هذه الكلمات أن أسرد الحجج التي يحتج بها القائلون بهذا الحكم ولا أن أروى ما يعدونه مؤيدًا لهم من روايات التاريخ والكتب، فإني إن فعلت كان لزامًا عليَّ أن أقدم نفس هذه المقدمة في شروط الأحكام، ومقدمة أخرى في تمييز ما يعد تاريخًا، ومقدمة ثالثة في انتزاع الحكم العام في الحادثة أو الحوادث، وهل هو صحيح في نفسه أو غير صحيح، ثم آخذها واحدة واحدة فأبين وجه تأويلها أو فهمها أو ردها أو تجريحها إلى آخر ما ينبغي لكل من يتصدى للأحكام على أفراد في التاريخ، فما ظنك بأمم بأسرها في تاريخ كامل كتاريخ العصور الإسلامية أولها وآخرها، وكل ما رميت إليه أن أبين فساد مثل هذا الحكم الشامل، وأسباب فساده، وأن أكشف عن موضع المخافة وثقل الوزر، وجناية التسرع في تعميم الأحكام بلا بينة من العقل أو الحجة أو التاريخ، وأرجو أن يتاح لي أن أتناوله مرة أخرى بالبيان والتفصيل حتى يتجلى فيه وجه الحق.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.