فهرس الكتاب

الصفحة 13217 من 18318

ينبغي أن يثبت المرء أولاً أن الخليفة قادر على أن يأمر علماء الإسلام وفقهاءهم ومفتيهم وأمراءهم وعامة الناس منهم بهذا الذي يريد تعطيله، وأنهم إن فعل أطاعوه جميعًا وعملوا بما أمر، وأن هذا الشيء من الإسلام قد عطل تمام التعطيل في الحياة الإسلامية كلها في زمنه، ومن البين أن الخليفة رجل من المسلمين، لا يملك أن يشرع للناس شرعًا يعمل به الفقهاء والقضاة والمفتون، ويخضع له عامة الناس علانية ويعملون به في أنفسهم سرًا، وإذا بطل هذا الشرط، بطل الحكم كله، ولم يبق إلا أن الخليفة ربما قدر على أن يعطل حكمًا من أحكام الله، فيما يمكن أن تناله يده، وهو في بيته أو قصره أو بلدته، دون سائر بلاد المسلمين، وأن هذا الحكم لا يلزم أحدًا من القضاة ولا الأمراء أن يفعلوا فعله، لأنه لا يملك أن يشرع لهم ما لم يأذن به الله، وأنا أقطع بأن تاريخ الإسلام كله ليس فيه حادثة واحدة: استطاع خليفة أن يأمر قضاة المسلمين وعلماءهم وفقهاءهم بأمر يخالف كتاب الله وسنة نبيه، فأطاعته الأمة كلها أو بعضها، وعملت بما أراد، وقضت على الناس بقضائه دون قضاء الله.

وينبغي أن يثبت المرء ثانيًا أن الخليفة - أو غير الخليفة من أمراء المسلمين في بلدان الأرض المسلمة - قد استطاع أن يجعل هذا التعطيل، بهذه الشروط، عملاً متوارثًا في جيل بعد جيل، وأن الأمة قد اتفقت على قبول تعطيله أبدًا وأن هذا هو الذي جرى به العمل بلا ريبة ولا ادعاء ولا توهم ولا اعتساف، وأنا أقطع أيضًا بأن هذا شيء لم يكن قط إلا بعد أن ضرب الاستعمار على هذه الأمة الإسلامية حضارته وثقافته ولون تفكيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت