عزف التابعون كالصحابة عن كتابة الحديث في كراريس خشية أن يشتبه بالمصاحف ولأنهم كانوا يفضلون الحفاظ على الحديث بالرواية لا الكتابة، باعتبار أن في الكتابة اضعافا للذاكرة وانصرافا عن العمل به مرددين قولهم (لا تكتبوا فتتكلوا) . ذاكرين أن أهل الحديث هم الذين يعقلونه بذاكرتهم فيكون جزءا من حديث أنفسهم وفكر قلوبهم وضابط سلوكهم، وذلك لأن الحفظ لا الكتابة هو السبيل في التفقه والخشية حتى أثر عنهم (استعن بحفظ القرآن والحديث للعمل به) وأنه (ليس العلم ما جمع ودون ولكن العلم ما حفظ ووعي) . وكانوا يفخرون بحفظ الحديث ويقول الواحد منهم (ما كتبت حديثا قط) وينقل عن عامر الشعبي (17 - 103هـ) عبارته المشهورة (ما كتبت سوداء في بيضاء. ولا سمعت من رجل حديثا فأردت أن يعيده على) . وقد عبر عن هذا الأسلوب مؤيدا الإمام الأوزاعي (توفى سنة 157هـ) بقوله (كان هذا العلم - يعني الحديث - شيئا شريفا إذا كان من أفواه الرجال يتلقونه، فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله) وقد ازدادت كراهية التابعين للكتابة عندما اشتهرت آراؤهم الشخصية فخافوا أن يدونها طلابهم مع الحديث فيدخله الالتباس.
ورغم ذلك فقد أثر عن بعض التابعين مدونات حديثية أشهرها الصحيفة لهمام بن منبه (40 - 131هـ) وهى تضم 138 حديثًا نقلا عن الصحابي أبي هريرة، وقد أسماها الصحيفة على مثال الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد نقلها بتمامها الإمام أحمد في مسنده كما نقل الإمام البخاري عددا كبيرا من أحاديثها في صحيحه في أبواب شتى.
رابعا - في عهد عمر بن عبد العزيز (99 - 101هـ) بدأ التدوين الرسمي للحديث. وقد عبر عن ذلك ابن شهاب الزهري رضي الله عنه بقوله (أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترا دفترا فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا) .
وقد كان هذا التدوين الرسمي لأول مرة لسببين: