أولهما: انتشار الإسلام واتساع رقعته وما استتبعه من تفرق الصحابة والتابعين ومجالس العلم وهو ما عبر عنه الخليفة عمر بن عبد العزيز في كتبه إلى الامصار خاصة أهل المدينة (انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله) .
ثانيهما - ظهور الوضع بسبب الخلافات السياسية والمذهبية وهو ما عبر عنه ابن شهاب الزهري بقوله: (لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها، ما كتبت حديثا ولا أذنت في كتابته) .
وقد أعقب ذلك اهتمام العلماء بجمع الأحاديث والتدقيق في تحقيقها حتى روي عن أبي العالية قوله (كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبصرة، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم) .
وكانوا يتحققون من الرواية فلا يكتفون بالصلاح والأمانة بل يشترطون الحفظ والضبط والاتقان، ويتشددون في السؤال عن الراوي وسلوكه وأحواله حتى يقال لهم أتريدون أن تزوجوه، وذلك شعورا منهم بقدر المسؤلية وهو ما عبروا عنه بقولهم (الحديث دين فانظروا ممن تأخذون دينكم) .
وقد أسفر القرن الهجري الثاني عن ظهور مدونات في مختلف بلدان العالم الإسلامي، مرتبة أسانيدها في أبواب مع فتاوي الصحابة والتابعين، ومن قبيل ذلك موطأ أنس بن مالك في المدينة (93 - 179هـ) ومصنفات سفيان الثوري بالكوفة (97 - 161هـ) وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام (88 - 157هـ) وعبد الله بن المبارك بخراسان (118 - 181هـ) ... إلخ.