فهرس الكتاب

الصفحة 13396 من 18318

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} ، يا أيها الإنسان الذي تكرّم عليك ربك، راعيك ومربيك، بإنسانيتك الكريمة الواعية الرفيعة، يا أيها الإنسان، ما الذي غرّك بربّك، فجعلك تقصّر في حقه، وتتهاون في أمره، ويسوءُ أدبك في جانبه؟ وهو ربك الكريم، الذي أَغْدق عليك من كرمه وفضله، ثم يفصّل شيئًا من هذا الكرم الإلهي، الذي أجمل في النداء الموحي العميق الدلالة فيقول سبحانه: {الَّذِي خَلَقَكَ} فأخرجك من العدم إلى الوجود، ووهبك نعمة الوجود، ومعنى قوله: {فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} أي سوى خلقك، فما جعل يدًا أطولَ من يد، ولا قدمًا أقصر من قدم، وما جعل عينًا أوسع من عَينٍ، ولا أُذنًا أسمع من أُذُنٍ، وإنما {خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} أي: جعلك سويًا مستقيمًا معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين: 4) .

وقوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} في صورة آبائك أو في صورة أعمامك، أو في أي صورة شاءها، ولذلك لما جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله، وُلد لي غلامٌ أسود، كأنّه يعرض بنفي أن يكون منه، لاختلافِ صورته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «ما ألوانها؟» قال: حُمر. قال: هل فيها من أورق؟ - وهو الذي فيه سوادٌ ليس بحالك، بل يميل إلى الغبرة - قال: نعم. قال: «فأنى ذلك؟» قال: لعله نزعه عِرْقٌ، قال: «فلعلّ ابنَك هذا نَزَعَه عِرْقٌ» . (متفق عليه) .

والمراد بقوله: نَزَعه عِرْقٌ: يعني: لعلّ في أُصولِه - آبائه - من هو بهذا اللون، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}

(المؤمنون: 14) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت