واستمر يدعو إلى اللَّه ويصبر على الأذى ويصفح عن الجاهل مدة ثلاثة عشر سنة لإقامة حجة اللَّه تعالى ووفاء بوعده الذي امتن عليهم به في قوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [سورة الإسراء: 15] ...
فاستمر الناس في الطغيان وما استدلوا بواضح البرهان، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه ليفتنوهم عن دينهم، وحتى نفوهم عن بلادهم فمنهم من فر إلى أرض الحبشة، ومنهم من خرج إلى المدينة، ومنهم من صبر على الأذي من حبس وجوع وعطش وضرب ... حتى إن الواحد منهم ما كان يقدر أن يستوى جالسًا من شدة الضرب.
لقد جعلوا في عنق بلاد حبلا ودفعوا به إلى الصبيان ليلعبوا به ويطوفون به شعاب مكة .. وما لاقاه آل ياسر من العذاب يفوق ما يحتمله البشر.
وآذت قريش رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وحاصروه في الشعب، وحاول عقبة بن أبي معيط أن يخنقه مره .. وما زال يشد ثوبه عليه حتى جحظت عيناه، وأسرع أبو بكر فخلصه وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى اللَّه ...
وحاول أبو جهل قتل الرسول وهو بالمسجد يصلى فحمل حجرًا ضخمًا ليلقيه على رأسه وهو ساجد ولما همّ بإلقائه رجه مذعورا .. وقال: اعترضنى دون محمد فحل هائل من الإبل هم أن يأكلنى ...
ولما أراد اللَّه إظهار دينه وإنجاز وعده ونصر نبيه، أمره اللَّه تعالى بالهجرة إلى المدينة، فاستقر صلوات اللَّه وسلامه عليه بها، وأيده اللَّه بنصره وبعباده المؤمنين فمنعته أنصار اللَّه وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، فبذلوا نفوسهم دونه، وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج ....
وكان أولى بهم من أنفسهم فلما رمتهم العرب واليهود عن قوس واحد، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة وصاحوا بهم من كل جانب
أذن اللَّه لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم فقال: