والداعية إلى الله لا ييأس ولا يحزن، بل يشمر عن ساعد الجد، ويسعى بقدم الإخلاص إلى هداية الناس، ويحمل همّ هدايتهم، فهذا هو الداعية الصادق الذي لا يتعامل مع دعوته كأنها عبء يلقيه عن عاتقه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ، ويرجع من الطائف ماشيًا وخلفه السفهاء يؤذونه وما استعجل بالدعاء على قومه، وإنما قال قولة كتبت على جبين التاريخ بأحرف من نور: «بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا» . ولكن يا ليت قومي يعلمون.
الدعاة والعلماء ورثة الأنبياء؟!
الداعية إلى الله وريث الأنبياء، قد يتعرض في سبيل دعوته إلى الأذى والعنت حتى يُهجر ويضيق عليه، ففي هذه الحال لا تزيد الغربةُ الداعيةَ إلا الله إلى صمودًا، ولا يستوحش فهو مستأنس بالله ويعلم أنه منصور، فالله تعالى يقول: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} ، فعلى داعية إلى الله عز وجل أن يتحلى بالصبر وليعلم يقينًا أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرًا، هذه الباقة من قطوف سيرة سلفنا الصالح له فيها أسوة، قال أبو أيوب سليمان بن وهب - رحمه الله-: كنت يومًا في سجن محمد بن عبد الملك الزيات في خلافة الواثق العباسي آيسًا مهمومًا حتى وردت إليَّ رسالة من أخي الحسن بن وهب يقول فيها:
مِحَنٌ أبا أيوب أنت محلها
فإذا جزعت من الخطوب فمن لها
فاصبر فإن الله يُعقبُ فرَجَهَ
ولعلها أن تنجلي ولعلها
وعسى تكون قريبة من حيث لا
ترجو وتمحو من جديدك ذلها
قال: فتفاءلت لذلك وقويت نفسي فكتبت إليه:
صبرتني ووعظتني وأنا لها
وستنجلي، بل لا أقول لعلها
ويحلها من كان صاحب عقدها
ثقةً به أن كان يملك حلها