فهذه الأخبارُ كلها موجودة مذكورة مروية في كتب التاريخ، فبأي حجة يحتجُّ الآخذ فيما أخذ، والتارك فيما ترك؟ لست أدري أيضًا، فإما أن يفعل هؤلاء المتدسّسون إلى التاريخ ما فعل أوائلهم من جمع الغث والسمين والصحيح والسقيم، ثم يكفوا ألسنتهم عن المعابة والإقذاع وسوء الأدب، وإما أن يأتوا الناس بحجة أو بيان يُرجح أقوالهم فيما قالوا وما اختاروا من الروايات، وإلاَّ فإنَّ الله ربهم آخذهم فمحاسبهم فمعطيهم نصيبهم من العذاب الذي أنذر به من آذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، وأنا أكتب هذا لقوم وصفتهم بأنهم يلبسون للناس ثياب الغيرة على الدين، والحمية لماضي سلفهم، ولو كنتُ أعلم أني أكتب للزنادقة أو للمتبرئين من دين ربهم، لكان لما أكتب شأن آخر، وطريق غير هذا الطريق، ومع ذلك، فإني سوف أرتكبُ لهم فيما بعد طريقًا أنفي به الدَّخل والفساد والتزوير في تاريخ سلفي رضي الله عنهم وغفر لهم ما قدموا من سيئ وأثابهم بما فعلوا من صالح، ولستُ أكتب هذا دفاعًا عن يزيد، فإن يزيد نفسه دافع يومًا ما عن نفسه فيما ترويه كتب التاريخ التي ينقلون عنها، أو قُلْ يدلسون بالنقل عنها، إذ سمع قالة الخارجين عليه والكارهين لخلافته أو ولايته إذ قالوا: «إنه رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعبُ بالكلاب، ويُسامر الخرَّاب والفتيان» . وبلغه أن المنذر بن الزبير، انطلق من عنده بعد أن أكرمه وأحسن إليه، فانحاز إليهم، فقال بمثل قولهم فأكثر، وقال: «إنه يشربُ الخمرَ ويسكرَ، حتى يدع الصلاة» . فقال يزيد: «اللهم إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيتَ، فأذكرهُ بالكذبِ والقطيعة» . لم يملك يَزيدُ إلاَّ أن يلجأ إلى ربه ليذكر هؤلاء بالكذب وقطيعة الأرحام، وماذا ينفع الدفاعُ عن النفس مع منْ لا يتورّعُ من كذب، ولا يتجافى عن قذفِ الناس بما يعلم أنه ليس فيهم؟