ومشركو قريش أول من بدأ هذه الحرب وتلك الفتنة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بَشَرٌ يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب - أي عن كتابة السنة-، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أكتب، فوالذي نفسي بيده ما قلت - أو قال: ما خرج مني إلاَّ حق» .
وقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتنة هؤلاء الزاعمين أنهم قرآنيون. فقد روى الدارمي في السنة والترمذي وأحمد في المسند عن المقدام بن معديكرب الكندي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم أشياءً يوم خيبر، ثم قال: «ليوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديث فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإنَّ ما حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مثل ما حرّم الله» .
إنهم قومٌ يجهلون
والقرآن الكريم ما فرط في شيء، ولكنهم قوم يجهلون!! أوليست السنة وحيًا واجب الاتباع كالقرآن؟! أَولم يقل الحق جل وعلا: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231] ، ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» ؟! فكيف يستقيم في منطق العقل وميزان الإيمان أن يقبل أو يعمل المسلم بجزء من الوحي، ويأبى أو يرفض العمل بجزء آخر.
إنني أود لهؤلاء الأدعياء الذين ينسبون أنفسهم إلى القرآن ويسمون أنفسهم «قرآنيين» أن يعرفوا أن الأمين جبريل عليه السلام نزل بالسنة كما نزل بالقرآن على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل بالسنة المبينة حينًا، والمستقلة بالتشريع حينًا آخر.