وحتى بعد أن دانت تلك الأمم بالإسلام، وآمنت به دينا ارتضاه الله لعباده، فقد بقيت في وجدان أبنائها رواسب ومواريث معتقداتهم القديمة، وسرعان ماظهرت فيها انتكاسات نشأت على أثرها الفرق المتعددة التي نخرت في بناء الإسلام الشامخ، ولا تزال تنخر فيه حتى الآن، فظهرت الشيعة في العراق، والإمامية في اليمن، والبهائية في ايران (فارس) ، والقاديانية في الهند، والطرق الصوفية وعبادة الموتى في مصر .. والسبب في ذلك أن النعمة في الأمم الحضارية أبطرت أبناء هذه الأمم، والحضارة أطغتهم، وتحول كل ذلك في أيديهم إلى صلف وغرور وتكبر وتجبر وترف جعلهم يتعالون على أي دعوة، ويصمون آذانهم عن كل حق .. ولذلك كان فساد الفطرة فيهم فسادا أصيلا لا طارئا.
وأما النوع الثاني من الأمم فكان على نقيض الأمم الحضارية، فهي أمم كانت مستضعفة ذليلة، وهي وإن اختلفت في نظام الحياة المادي عن أمم الحضارات إلا أنها اتفقت معها في الكفر والضلال .. كأمة اليهود، التي عاشت قرونا طويلة ضعيفة ذليلة، حتى فقدت كل مقومات الحياة الكريمة، ولذلك فسدت فطرتها فسادا أصيلا أيضا، ورغم ضعف هذه الأمة وهوانها، فقد كانت هي الأمة المكذبة لأنبيائها عبر التاريخ، المستبيحة لدمائهم وقتلهم، وبعد أن جاءهم الخلاص من تعذيب فرعون لهم واستعباده اياهم .. وبعد أن جاءهم الخلاص على يدي موسى عليه السلام، وأعزهم الله بعد ذلتهم، سرعان ما عادوا إلى كفرهم وعتوهم وعنادهم بعده، بل أنهم كفروا وهو بينهم وعبدوا العجل وهو يتلقى وحي الله .. ثم حرفوا التوراة حتى صارت مسخا مشوها يتفق مع أهوائهم.