وكذلك الأمة المسيحية .. أخذت دينها بضعف واستسلام، وأكتفوا بأن يعبدوا الله في مغارات الجبال، وكانوا يتعرضون للابادة الجماعية بواسطة اليهود والرومان دون أن يغضبوا للحق الذي بين أيديهم، ودون أن تتحرك فيهم حمية إلى الدفاع عن معتقداتهم، ثم تحولوا بعد ذلك من التوحيد إلى التثليث، وحرفوا الإنجيل كما حرف اليهود التوراة من قبل.
وقد اقتضت إرادة الله العليم الخبير أن الأمم الحضارية لا تصلح- وهي بهذه المثابة- لحمل أمانة الرسالة الخاتمة، وكذلك الأمم الذليلة المستضعفة لا تؤتمن على تبليغ رسالة الله الخاتمة لأمم الأرض وشعوبها.
أما الأمة العربية في الجزيرة العربية التي اختصها الله بهذا الشرف، فما هي خصائصها؟ لقد كانت أمة مشركة تتخذ أصناما من دون الله تدعوها وتتبتل إليها وتنحر لها، وتنذر لها، وكانت أمة دب فيها الفساد، وانتشرت فيها الرذيلة، وضاع فيها الأمن، وطغى فيها الأقوياء، ولكنها رغم كل أولئك استحقت هذا الشرف العظيم .. لأن الفساد فيها لم يكن فسادا أصيلا .. وإنما كان فسادا طارئا .. الأمة العربية كانت تعيش في صحراء قاحلة بعيدة عن المدنيات والحضارات، اكتسب أبناؤها من طبيعة الأرض التي يعيشون عليها خصائصها .. فهي خشنة، في أبنائها رجولة وشهامة ونجدة، فيهم مواريث من قيم عالية من الإجارة والنخوة والوفاء بالعهد والعناد الذي يدفع بهم إلى التضحية بالحياة نفسها في سبيل ما يعتقدون، ثم هي أمة لم يستعمرها أجنبي قط، ولذلك عاشت حرة عزيزة كريمة، فهي أمة لم تفسدها النعمة والترف، ولم تتحول إلى أمة متعالية متكبرة مغرورة، ولم تستسلم لضعف أو ذلة ولذلك لم تهن على نفسها أو على غيرها.