ولهذا فنحن نرى في أعماق الجاهلية (( حلف الفضول ) )الذي يتعاهد من خلاله قوم صلحت فيهم الفطرة على أن يعينوا كل مظلوم للوصول إلى حقه، والذي يحدثنا عنه الرسول- صلى الله عليه وسلم- ويوضح أنه شهده في دار ابن جدعان وأنه أقره، ثم نرى (( عبد الله بن أريقط ) )الدليل الذي قاد رحلة الهجرة إلى يثرب .. وقد كان كافرا .. لا يغريه ما رصدته قريش من أموال للإرشاد عن النبي وصاحبه وهو شيء لا يستهان به، ويفضل أن يكون وفيا مع مال قليل يصيبه، خيرا من أن يكون خائنا للعهد مع الثروة الكبيرة التي تنتظره ان هو فعل ذلك.
ولهذا فإن الأمة كلها، وإن عاندت في بداية الدعوة الإسلامية، وقاومتها بكل ما تملك من وسائل العنف والقمع والإرهاب، إلا أن فطرتها هدتها في النهاية إلى أن تؤمن عن بكرة أبيها خلال ثلاثة وعشرين عاماوهي فترة لا تعتبر في عمر الأمم والشعوب زمنا يحسب، ثم حملت أمانة دعوة الحق في صدق ووفاء، وتولت بعد وفاة نبيها نشرها في فجاج الأرض.
إن دعوة الحق لن تغيب شمسها عن العالمين أبدا، وإن رسالة التوحيد ستظل عالية سامقة مابقيت الأرض والسموات، وإن رغمت أنوف قوم أضلهم الشيطان فزاغوا عن الحق، وتنكروا لنوره، وتنكبوا طريقه، وشرقوا وغربوا ليستوردوا مبادئ ومثلا وقيما من صنع بشر يظلمون ويعدلون، ويخطئون ويصيبون، بدعوى التقدمية والمدنية. وإن الله من ورائهم محيط، يتولى حفظ رسالته، ويتولى نصر حملتها المخلصين، والله غالب على أمره، وهو نعم المولى ونعم النصير.
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمه إنك أنت الوهاب (.
مصطفى برهام