وهذه الصفوف من الملائكة أقيمت للعبادة والذكر والتسبيح كما قالت الملائكة عن نفسها وحكاه القرآن، قال تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} أي: موضع مخصوص في السماء ومقام للعبادة لا يتجاوزه، وقوله تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} أي: نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزه عن النقائص، فنحن عبيد له فقراء إليه، خاضعون لديه، وصفوف الملائكة المسبحة أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمعها قال حكيم بن حزام رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تسمعون ما أسمع؟» قالوا: ما نسمع من شيء قال: «إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم» . [السلسلة الصحيحة 1060] .
فهذا حال الملائكة الآن، ويوم القيامة تكون الملائكة أيضًا صفوفًا، قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، وقال: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38] ،
فهذه الحال للملائكة في التسبيح والعبادة والاصطفاف يوم القيامة وعدم الكلام إلا بإذن من الرحمن، وتفضل الله على رسوله وأمته بأن جعل صفوف الأمة في الصلاة والجهاد كصفوف الملائكة، ولم تنل أمة من قبلُ هذا الشرف، ولكن اختص الله تعالى نبيه وأمته بهذه الخاصية.
وورد الأمر في القرآن والسنة بوصل الصفوف وتسويتها، وأن هذا مما يحبه الله ورسوله، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] .
قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: وددنا أن الله يخبرنا بأحب الأعمال إليه حتى نعمله ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا، فأنزل الله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [فتح القدير: 219] .