فالإنسان يضيع عمره وهو لا يدري مقدار خسارته وغبنه الذي يحصده، ويبين خطر هذا: أن المرء إذا كان في آخر عمره، وشعر بأيامه المعدودة وساعاته المحدودة، وأراد زيادة يوم فيها يتزود فيه للقاء ربه أو حتى ساعة وجيزة يتوب فيها قبل الغرغرة، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يقول الله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} ، فيشعر بالحزن والأسى على الأيام والليالي والشهور والسنوات التي كانت بين يديه وأضاعها من غير كسب ولا فائدة.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة، والفراغ» . [صحيح البخاري] .
أي يمضيان لا يستغلهما في أوجه الكسب المكتمل، فيفوتان عليه بدون عوض، فيندم، ولات حين مندم.
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1، 2] :
يقسم الله تعالى بالعصر (وهو على تفسيرات مختلفة، فقيل هو الدهر، ولعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: والعصر، نوائب الدهر، وقيل هو اليوم والليلة، أو العشي، وقيل هو الصلاة الوسطى لأهميتها، وقيل بل هو عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل بل هو عمر الإنسان) .
وأيًا كان المعنى، فهو يدور في فلك الزمن قلَّ أو كثر، إن الإنسان لفي خسر. والخسار مراتب: فقد يكون خسارًا مطلقًا، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم واستحق الجحيم، وقد يكون خسارًا من بعض الوجوه دون بعض ولهذا عمم الله تعالى الخسار لكل إنسان إلا من اتصف بأربع صفات:
1 -الإيمان، ولا يكون بدون العلم، فهو فرع منه.
2 -العمل الصالح، وهو شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحقوق الله وحقوق عباده الواجبة والمستحبة.
3 -التواصي بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح، فيوصي بعضهم بعضًا بذلك ويحثه عليه.
4 -التواصي بالصبر: بأنواعه الثلاثة: على طاعة الله تعالى، وعن معصية الله تعالى، وعلى أقدار الله المؤلمة.