فهرس الكتاب

الصفحة 13887 من 18318

وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ضمادًا قدم مكة، وكان من أزد شنوءَة (2) ، وكان يَرْقِي من هذه الريح (3) ، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعلَّ الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح وإن الله يَشْفِي على يدي من يشاء فهل لك (4) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد» . قال: فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر (5) ، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعلى قومك» . قال: وعلى قومي» (6) .

فهذا رجل من المشركين شهد بفصاحة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم وأفاد أن كلامه - عليه الصلاة والسلام - ليس من جنس كلام السحرة والكهان. قال القاضي عياض في «الشفاء» : «وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل؛ سلامة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله، ومن تأمل حديثه وسيرته علم ذلك وتحققه» . وقد كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم يدخل إلى القلوب وتصغي إليه الآذان لما اشتمل عليه من روعة الفصاحة والبيان، وكان يجمع في كلامه بين الترغيب والترهيب، والثواب والعقاب، والكلام إذا اشتمل على ذلك عظم وقعه في القلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت