فهرس الكتاب

الصفحة 1389 من 18318

ولكن هذا لم يكن كافيا لاسكات المجادلين الذين اتخذوا من تحول المسلمين اليها، وتركهم القبلة التي كانوا عليها- مطعنا علي النبوة فتنوا به ضعفاء المؤمنين، فمست الحاجة إلى مزيد بسط في شأنها تتقرر به الحجة، وتدحض به الشبهة. ولذلك تراه يوجه اليها أكبر الشطرين من عنايته. من الثابت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين بعد أن هاجروا إلى المدينة مكثوا نحو سبعة عشر شهرا يستقبلون في صلاتهم بيت المقدس، وكان هذا بتوجيه الله تعالى لهم، ثم أمر الله رسوله أن يولي هو والمسلمون وجوههم في الصلاة إلى الكعبة، وقد استغل ضعاف العقول من اليهود والمنافقين هذا التحويل، وشنعوا علي المسلمين، واستنكروا هذا التقلب والتحول، وقالوا علي سبيل الانكار والتشنيع: ما ولا هم ما الذى صرفهم وحولهم في قبلتهم عن بيت المقدس إلى الكعبة؟ عن قبلتهم التي كانوا عليها"وقد رد الله تعالى عليهم الرد الحكيم، فأمر نبيه بادئ ذي بدء أن يجيب المتسائلين عن حكمة هذا التحويل جواب عزة وإباء يردد الامر فيه إلى من لايسأل عما يفعل، قائلا لهم: ان الجهات كلها سواء، يوجهنا الله منها إلى ما يشاء، وهو الذى يهدى إلى الصراط المستقيم {قل لله المشرق والمغرب، يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم} (من الآية 142) فالمشرق والمغرب وجميع الجهات والامكنة هي لله، وهي بالنسبة إليه متساوية، فله أن يأمر عباده بالتوجه في عبادته إلى أى جهة، فان شاء وجههم إلى بيت المقدس، لحكمة قصد اليها، وان شاء وجههم إلى الكعبة لحكمة قصد اليها، وليس المقصود بالعبادة هو بيت المقدس أو الكعبة، وانما المقصود وجه الله، واينما يولي المصلي وجهه فثم وجه الله {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم} (الآية 115 من سورة البقرة) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت