ثم أخذ يأمر النبي تارة، والمؤمنين تارة، ويأمرهما معا تارة أخرى في أسلوب مؤكد مفصل أن يثبتوا علي هذه القبلة حيث هم وفي كل مكان يقيمون فيه حضرا، وفي كل مكان يخرجون منه سفرا في الآية 144 و 149 و 150. وطفق ينثر في تضاعيف هذه الاوامر المؤكدة ما شاء من تعريف بأسرار التشريع القديم والجديد، فيقول ان تشريع تلك القبلة الوقتية ما كان الا اختبارا ليتبين من يتبع الرسول ممن ينقلب علي عقبيه. وأما تشريع هذه القبلة الباقية فانه ينطوى علي الحكم البالغة، والمقاصد الجلية، فهي القبلة الوسطي التي تليق بكم أيتها الامة الوسطي، وهي القبلة التي ترضاها يأيها النبي، والتي طالما قلبت وجهك في السماء مستشرفا إلى الوحي بها، وهي القبلة التي يعلم أهل الكتاب أنها الحق من ربهم وان كانوا يكتمون ذلك حسدا وعنادا، وهي القبلة التي يشهد الله بأنها الحق من عنده، وأخيرا هي القبلة التي لا تبقي لأحد من المنصفين حجة عليكم، أما الظالمون فلن ينقطع جدالهم في شأنها ما بقيت عداوتهم لكم ولكن لا تخشوهم، بل وطنوا أنفسكم علي التضحية في سبيل الله، واصبروا، ولا تحزنوا علي من سيقتل منكم في هذه السبيل فان الموت فيها هو الحياة الباقية. ثم أومأ أشار إلى ان الجدال في هذه القبلة ليس صدا عن الشعائر التي في داخل المسجد الحرام فحسب، بل هو كذلك صد عما حوله من الشعائر، صد عن السعي بين الصفا والمروة {ان الصفا والمروة من شعائر الله} (من الآية 158) ، والصفا والمروة: هضبتان ملحقتان حاليا بالمسجد الحرام يسعي بينهما الحاج والمعتمر، ومن شعائر الله: من علامات دين الله. ثم اكد أمر هاتين الشعيرتين علي نحو ما أكد أمر القبلة بالتعريض بأهل الكتاب الذين يعلمون أصلهما في تاريخ ابراهيم عليه السلام، ولكنهم يكتمون ما أنزل الله من البينات وهم يعلمون.
عنتر حشاد
هامش
(1) مائلا عن الباطل إلى حق، والحنف: الميل ... .