قال النووي في شرح صحيح مسلم: وأما النهي عن بيع الغرر فإنه أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق - أي العبد الهارب من سيده - والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع بعض الصبرة مبهمًا (والصُّبْرَةُ معناها: الكُومَةُ من الطعام) ، وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شياه (أي دون تعيين) ، ونظائر ذلك، فكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غَرَرٌ من غير حاجة، قال: وقد يحتمل (أي يُعفى عن) بعض الغرر تبعًا إذا دعت إليه حاجة كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل، والتي في ضرعها اللبن، فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول في حمل الشاة ولبنها، وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير؛ منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الجُبَّة المحشوة وإن لم يُرَ حَشْوُها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز (وكذا كل لباس له حشو باطني غير ظاهر يجوز بيعه دون رؤية الحشو) ، قال: وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرًا، مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين يومًا، وأجمعوا على جواز دخول الحمام (للاستحمام) بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون والطير في الهواء.
ثم قال: قال العلماء: مدار البطلان بسبب وجود الغرر، والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنه: إن دعت الحاجة إليه إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرًا جاز البيع، وإلاَّ فلا.