فالمبين لكل ما أنزله الله تعالى على المكلفين من التكاليف والأحكام هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا أوجب الله طاعته والانقياد لأمره، وإلى جانب هذه الوظائف كان صلى الله عليه وسلم على رأس العابدين لله، وقد وصفه ربه بلفظ العبودية في مواطن كثيرة في كتابه، وأمره ربه بها فقال: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} أي الموت، وقد قام بهذه العبودية لله خير قيام صلى الله عليه وسلم، لأنه يعلم أنه مخلوق مكلَّف من قبل ربه، وأنه خلق كغيره لعبادة الله، ولهذا نهى عن الغلو فيه ونصَّ في حديثه أنه عبد الله كما روى البخاري عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (14) .
ومع هذا كله فقد ذهب قوم من الناس وبعضهم ينسب نفسه إلى العلم وقالوا: إن الدنيا خلقت من أجل النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال شاعرهم:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من
لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
هذا- والله- مخالفة صريحة لما جاء من عند الله تعالى، بل خلق الله سبحانه الثقلين الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} .
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لعبادته وحده دون سواه، وأن يتقبل منا صالح الأعمال والأقوال.
وللحديث صلة إن شاء الله.
الهوامش:
1 -مسند أحمد 1/ 465، والحاكم في المستدرك جـ2/ 318، وحسنه الألباني في ظلال الجنة (17) .
2 -جوادّ بالتشديد جمع جادة وهي الطريق.
3 -تفسير ابن جرير جـ8/ 65.
4 -تفسير ابن كثير جـ2/ 632.
5 -تفسير القاسمي جـ6/ 2571.
5 -صحيح مسلم كتاب الحج باب 19 جـ2/ 890.
6 -صحيح البخاري كتاب الحج باب 132 جـ3/ 574.
7 -المرجع السابق، كتاب التفسير جـ8/ 275.
8 -فتح الباري شرح صحيح البخاري جـ1/ 204.
9 -الخطط للمقريزي جـ4/ 198.
10 -تفسير ابن كثير.