كم للمرأة المسلمة من موقف في الحج لها فيه ذكرى، وكم من مقام لها فيه معنى، هل السعي بين الصفا والمروة إلا ذكرى من ذكريات أمنا هاجر عليها السلام؟ وهل فاض ماء زمزم إلا بفيض من إيمانها ودعائها وندائها واستشرافها لترويَ عطشها وعطش ابنها؟ يا من قصدتِ البيت الحرام لأداء ركن من أركان الإسلام، أما طاف بخيالِكِ وعقلِكِ وأنتِ تطئين بقدمكِ ثرى مكة، الصورة المشرقة للمرأة المؤمنة الواثقة بربها- هاجر التي جاء بها إبراهيم ومعها ابنها إسماعيل، وأسكنها بواد غير ذي زرع عند بيت الله الحرام، وهي ترضع ولدها، وليس بمكة يومئذ أحد، ولا ماء، فوضعهما إبراهيم هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ثم قَفَّى منطلقًا وتركهما، وهي تتبعه وتقول له: يا إبراهيم؛ أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به إنس ولا شيء؟ وأعادت عليه ذلك مرارًا وهو لا يلتفت إليها، فقالت: يا إبراهيم؛ آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت كلمتها الرائعة الخالدة الناصعة: إذًا لا يضيِّعنا. فهل رأيتِ أختنا المؤمنةَ قوة الإيمان وقوة الثقة بالله والاعتصام به والتوكل عليه والتسليم له سبحانه؟
أما طاف بخيالك أيتها المسلمة صورة مشرقة لأمك- أم المؤمنين- خديجة رضي الله عنها وهي تتابع في لهفة وشوق مسيرة الدعوة وثمرات الرسالة؟ أما تراءت أمام ناظريك لمحة ممتعة لأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ذات النطاقين التي كانت تقطع المسافات الطويلة في وهج الشمس والظهيرة تحت لهيب الشمس المحرقة حاملة الزاد من بطن مكة إلى غار ثور حيث يأوي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوها أبو بكر الصديق، وقد أرادت أن تربط الزاد لهما فلم تجد ما تربطه به، فشقت نطاقها نصفين لتربط الزاد بنصف، وتنتطق بالنصف الآخر، فسميت بذلك «ذات النطاقين» ، تلك المرأة التي أسهمت في نصرة الحق وفي إتمام خطة الهجرة، رضي الله عنها وأرضاها.