فقد أجمع الصحابة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على اختيار التاريخ بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما لهذا الحدث العظيم من مكانة ومنزلة، والذي كان بمثابة الفجر الذي أشرق على الأمة نوره، بعد مخاض ليلٍ طال على الأتباع معاناته وآلامه؛ من أجل ذلك أرخوا به لأحداثهم، لأنه معلم من معالم حضارتهم، وقد جرى على ذلك سلف الأمة.
وينقضي العام فنظن أننا عشناه وزدنا عامًا، وفي الحقيقة قد فقدناه، ونقصنا عامًا من أعمارنا، فكل عام يمضي من أعمارنا نقترب به من الموت، فلنشكر الله أن بلغنا غُرَّة هذا العام، ولعله يكون غُرَّة انطلاقة للجد والاجتهاد في الأعمال الصالحة، وليكن فاتحة شهور العام شهر الله المحرم، فمكانته عظيمة بين الشهور، وأفضل أيامه يوم عاشوراء، الذي انتصر فيه الحق على الباطل، ونصر الله فيه نبيه موسى عليه السلام على فرعون وقومه، فصامه شكرًا لله عز وجل، وصامه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وحث على صيامه، ففي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صيام عاشوراء فقال: «أحْتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله» . (أخرجه مسلم من حديث قتادة رضي الله عنه) .
إني مهاجر إلى ربي
لم تكن الهجرة النبوية حدثًا عاديًا في التاريخ الإسلامي، بل كانت بمثابة نطقة الانطلاق والتحدي في مسار هذا الدين العظيم ومصيره، يستلهم منه المسلمون العظات والعبر، وقد شاء الله سبحانه أن تكون الهجرة بأسباب مألوفة للبشر، يتزود فيها للسفر، ويركب الناقة، ويستأجر الدليل، ولو شاء الله لحمله على البراق، ولكن لتقتدي به أمته، فينصر المسلم دينه بما يَسَّرَه الله من الأسباب.