لقد جاءت هذه الخطوة في أشد أوقات الحاجة إليها بين سابقها ولاحقها، فإن ما مضى من تعظيم أمر الكعبة ومقام إبراهيم والصفا والمروة كان من شأنه أن يلقى في روع الحديث العهد بالإسلام معنى من معانى الوثنية الأولى في تعظيم الأحجار والمواد، ولا سيما وهذه الأماكن المقدسة كانت يومئذ مباءة للأصنام والأنصاب من حولها ومن فوقها، فوجب ألا يترك هذا التعظيم دون تحديد وتقييد، وألا تترك هذه الخلجات النفسية دون دفع وابعاد، حتى لا يبقى شك في أن قيام المصلين عند مقام إبراهيم، وتوجيه وجوههم نحو الكعبة، وتمسح الطائفين بأركانها، وتقبيل الحجر الأسود، وطواف الحجاج والمعتمرين بين الصفا والمروة، كل أولئك لا يقصد به الإسلام توجيه القلوب إلى هذه الأحجار والآثار - تزلفًا بعبادتها، أو رجاء لرحمتها، أو طلبًا لشفاعتها، وإنما يقصد تعظيم الإله الحق، وامتثال أمره بعبادته في مواطن رحمته، ومظان بركته، التى تنزلت فيها على عباده الصالحين من قبل، ثم تجديد ذكرى أولئك الصالحين في النفوس، وتمكين محبتهم في القلوب، بإقتفاء آثارهم، والتأسى بحركاتهم وسكناتهم، حتى يتصل حاضر الأمة بماضيها، وحتى تنتظم منها أمة واحدة تدور حول محور واحد، وتتجه إلى مقصد واحد هو أعلى المقاصد وأسماها، مقصد التوحيد {والهكم إله واحد لا إله إلا هو} (من الآية 163 (أتدرون من ذلك الإله الواحد؟ إنه ليس الكعبة، وليس الصفا والمروة، ليس إبراهيم، ولا مقام إبراهيم، ولكنه"الرحمن الرحيم"الذى وسع كل شىء رحمة ونعمة {إن في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} (الآية 164) وهو الذى بيده القوة كلها، والبأس كله، لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون