العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب (من الآية 165) .
وفي هذا تأكيد للمقصد الأول، مقصد دعوة بنى إسرائيل إلى الإسلام وتوحيد الله، وكذلك فيه تأسيس وتقديم، وتوطئة وتمهيد لا بد منه قبل الشروع في تفصيل الأحكام العملية في المقصد الآخر للسورة، ليكون ذلك توجيهًا للأنظار إلى الناحية التى ينبغى أن يتلقى منها الخطاب في شأن تلك الأحكام، ذلك أن المرء إذا عرف له سيدًا واحدًا، وأسلم وجهه إليه وجب ألا يصدر إلا عن أمره، ولا يأخذ التشريع إلا من يده، ومن كانت له أرباب متفرقون وتنازعت فيه شركاء متشاكسون تقاضاه كل واحد منهم نصيبه من طاعته، وكثرت عليه مصادر الأمر المطاع، فأمر للآباء والعشيرة، وأمر للعرف والعادات الموروثة والمستحدثة وأمر للسادة والكبراء، وأمر للشياطين والأهواء، ولذلك عززها بالخطوة الثانية:
الخطوة الثانية: تقرير وحدة الآمر المطاع:
وهى ركن من عقيدة التوحيد في الإسلام، فكما أن من أصل التوحيد ألا تتخذ في عبادتك إلها من دون الرحمن، الذى بيده الخلق والرزق والضر والنفع - كذلك من أصل التوحيد ألا تجعل لغير الله حكمًا في تصرفاتك، بل تعتقد أن لا حكم إلا له، وأن بيده وحده الأمر والنهى، وأن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، ومن استحل حرامه، أو حرم حلاله فقد كفر، وكما لا يليق أن يكون هو الخالق ويعبد غيره، وأن يكون هو الرازق ويشكر غيره - لا يليق أن يكون هو الحاكم ويطاع غيره، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} (الآية 168) .