ولعلنا نلحظ خطورة التعصب للرأي واتباع الهوى عندما نطالع بعضاً مما آل إليه حال أولئك المبتدعة وما وصلوا إليه من جرأة منقطعة النظير، ونذكر من ذلك ما رواه عبيد الله بن معاذ عن أبيه أنه سمع عمرو بن عبيد (إمام المعتزلة) يقول- وذكر حديث الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك .. الحديث) - «لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا» ، وفي معرض حديثه عن الصوفية القائلين بوحدة الوجود يحكي شيخ الإسلام ابن تيمية أشياء من هذا القبيل فيقول: «وحدثني الثقة الذي رجع عنهم لما انكشف له أسرارهم، أنه- يعني (التلمساني) - قرأ عليه (فصوص الحكم) لابن عربي، قال: فقلت له: فإذا كان الكل واحداً فلماذا تُحرِّم عليّ ابنتي وتحل لي زوجتي؟ فقال: لا فرق عندنا بين الزوجة والبنت، الجميع حلال! لكن المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم» .
هكذا ندرك إلى أي مدى يمكن أن يصل العدوان السافر والجرأة المتناهية على أحكام الشريعة وعلى رد النصوص الثابتة المحكمة والاعتراض عليها بفعل الهوى واتباع الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، وذلك من دون شك علامة من علامات الفجور والزندقة، تزداد بازدياد الفساد والضلال والبعد عن منهج السلف الصالح.
نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل ويجنبنا الهوى، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ويهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وهو نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الهوامش
1 -ينظر الصواعق ص 510، ومعارج القبول 1/ 302، 305.
2 -ينظر الصواعق لابن القيم ص301، 61، 62.