والحق أن ما قالوه وسول لهم به الشيطان هو «تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به جل وعلا، فإنه إذا قال القائل: (لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً، وكل ذلك من المحال) ، ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان .. وهذا نقضٌ لمنهج السلف الصالح وما أجمع عليه الأئمة الماضون من المحدثين والفقهاء والمفسرين واللغويين وغيرهم- والذي ينحصر في أنه تعالى فوق عرشه بائن من خلقه وفي أن استواءه تعالى على عرشه مختص به، ولا يلزمه شيء من تلك اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم سائر الأجسام- لا يخفى، ولا زلنا نرى أثر ما روجه المعتزلة وأضرابهم ممن أثبتوا ألفاظ أسمائه تعالى دون ما تضمنته من صفات الكمال.
وإنما نشأت هذه الأقوال التي أسلفنا ذكرها، والتي لا يزال - كما ألمحنا - أثرها باقيًا إلى يوم الناس هذا، جراء الزيغ والابتداع واتباع الهوى والتقدم بين يدي الله ورسوله والابتعاد عن منهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ونظير خرم إجماعهم على منهج القرآن في تفصيل ما هو مثبت من صفاته تعالى وإجمال ما هو منفي عنه، وقد نبه أئمة العلم إلى مغبة الوقوع فيما يخالف ذلك، كما حذروا من خطورة اتباع الظن وتقديم العقل على النص، ومن ترك التحاكم إلى ما أنزل الله على رسوله من وحي، ومن تحريف للكلم عن مواضعه لاسيما ما تعلق من ذلك بتوحيد الخالق سبحانه، فأوضحوا أن أهل الأهواء إذا وجدوا الأدلة على خلاف ما يعتقدون أو يتفق مع هواهم أولوها وصرفوها عن حقيقة معناها كما فعل المعتزلة في الأدلة المخالفة لأصولهم الخمسة وكما فعلت الجهمية في آيات الصفات (3) .