تفيد هذه الآيات وغيرها من آي الكتاب العزيز إلى جانب ما تقرره من شمول علم الله وكماله واطلاعه ومراقبته وعظيم قدرته ورعايته وهيمنته، تفيد إلى جانب ذلك تعليم عباده بأن يراقبوه ويستحضروا قربه ويستشعروا على الدوام أنَّ الله عز وجل مطلع على حركاتهم وسكناتهم، على أقوالهم وأفعالهم وما يختلج في صدورهم، {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 13، 14] ، ويتأكد ذلك الاستشعار عندما يشرع المسلم في عبادة من العبادات بحيث يقوم فيها بين يدي خالقه ومولاه مقام من آمن واستشعر أن الله تعالى يراه أو كأنه هو الذي يرى الله عز وجل، وهذه أعلى درجات السلوك مع الله تعالى؛ لأن العاقل إذا تذكر أنَّ الله رقيب عليه أحسن عمله رغبة فيما عند الله من الثواب للمحسنين، خوفًا من العقاب الذي أعده للمسيئين، وقد قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] ، ومن رحمته وفضله سبحانه أن جعل الجزاء من جنس العمل، ومن ذلك أنه جعل ثواب الإحسان إحسانًا: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] ، فمن أحسن عمله أحسن الله جزاءه، وقد أوضح سبحانه في كتابه العزيز جزاء المحسنين وأنه أعظم جزاء وأكمله، فقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}
[يونس: 26] ،
وهذه الآية فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رواه مسلم في صحيحه عن صهيب- رضي الله عنه- بأنَّ الحسنى الجنَّة، والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل.