ولا يخفى ما بين هذا الجزاء وذلك العمل الذي هو الإحسان من المناسبة، فالمحسنون الذين عبدوا الله كأنهم يرونه جعل جزاءهم على ذلك العمل النظر إليه عيانًا في الآخرة، وعلى العكس من ذلك الكفار الذين طُبع على قلوبهم، فلم تكن محلاً لخشيته ومراقبته في الدنيا، فعاقبهم الله على ذلك بأن حجبهم عن رؤيته في الآخرة، {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] ، كما أنَّ جزاء الذين أحسنوا الحسنى، فإنَّ عاقبة الذين أساءوا السوأى كما قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى} [الروم: 10] ، ولمزيد عناية الإسلام بالإحسان وعظيم منزلته، نوَّه سبحانه بفضله وأخبر أنه يحب المحسنين وأنه معهم، وكفى بذلك فضلاً وشرفًا فقال سبحانه: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] ،
وقال: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] ، وقد ضمّن رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابه عن الإحسان بيان السبب الحافز على الإحسان لمن يبلغ هذه الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة، ألا وهو تذكير فاعل العبادة بأنَّ الله مطلع عليه لا يخفى عليه شيء من أفعاله، وسيجازيه على ذلك، فعلى العبد أن يأخذ نفسه بمراقبة الله تبارك وتعالى، ويلزمها إياها في كل لحظة من لحظات عمره، حتى يتم لها اليقين بأنَّ الله مطلع عليها، عالم بأسرارها، رقيب على أعمالها، قائم عليها وعلى كل نفس بما كسبت، وهذا أرفع مراتب الدين، وقد مدح الله الذين يخشونه بالغيب، وبَيَّنَ جزاءهم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
[الملك: 12] ،
وقال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}
[يونس: 11] .