ودفع البعض الإشكال بأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الصلاة شغلاً» في حديث ابن مسعود، كان اجتهادًا منه صلى الله عليه وسلم وأوحى إليه بتحريم الكلام عند نزول الآية المذكورة بالمدينة، وهذا القول بعيد عن الصواب، وهناك أقوال كثيرة، الراجح منها:
-أن حديث زيد رواه الجماعة إلا ابن ماجه، وحديث ابن مسعود متفق عليه، وليس من السهل أن يرد أحد الحديثين، وإذا تأملنا حديث ابن مسعود وجدناه لا يحمل نهيًا للصحابة عن الكلام وكل ما فيه أنه لم يرد، وأنه قال: «إن الصلاة تشغله صلى الله عليه وسلم عن الكلام، وهذا غير صريح في نهي الأمة عن الكلام في الصلاة، بخلاف حديث زيد فإنه صريح بالنهي عن الكلام في الصلاة، بخلاف حديث زيد فإنه صريح بالنهي عن الكلام في الصلاة بالمدينة، فلا تعارض بين الحديثين، ونسخ ما كان من جواز الكلام في الصلاة كان بالمدينة، والله أعلم.
وواضح من هذا أن السلام كان جائزًا على المصلي في أول الأمر ثم نسخ، ولا وجه لمن قال بإباحة الرد بعد ثبوت امتناعه صلى الله عليه وسلم منه.
وجمهور العلماء على أن له أن يرد بالإشارة لحديث جابر السابق عندما بعثه صلى الله عليه وسلم في حاجة قضاها، ثم عاد إليه فوجده يصلي فسلم عليه فأشار إليه، والإشارة خفيفة- خلافًا لأبي حنيفة أنه لا يرد أصلاً لا باللفظ ولا بالإشارة، ذكر صاحب فتح القدير: أن رد المصلي السلام بالإشارة مكروه، وبالمصافحة مفسد، وحديث جابر يؤيد غير الحنفية.
ولكن الأفضل مطلقًا أن يرد بعد الصلاة لفظًا، وهذا مذهب الجمهور.
وعند المالكية: أن المصلي لا يرد السلام باللفظ، فإن رد عمدًا أو جهلاً بطل، ورده باللفظ سهوًا يقتضي سجود السهو، بل يجب عليه أن يرد السلام بالإشارة، خلافًا للشافعية القائلين بعدم وجوب الرد عليه.
وذهب الحنابلة إلى أن رد المصلي السلام بالكلام عمدًا يبطل الصلاة، ورد المصلي السلام بالإشارة مشروع عند الحنابلة.
(الموسوعة الفقهية: 25/ 163، 164) .