قال القاضي عياض- رحمه الله- في معنى هذه الآية: «فكفى بهذا حضًا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته صلى الله عليه وسلم ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، إذ قرَّع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وتوعدهم بقوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} ، ثم فسّقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله» (3) .
وقد ضرب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أروع النماذج في صدق حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان الواحد منهم يضع ماله ونفسه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم حبًا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وطمعًا في نيل ثواب الله ورضاه، ومن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك» . فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر» (4) .
قال الخطابي في معنى الحديث: «حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه» .
وقال ابن حجر معقبًا على كلام الخطابي: «فعلى هذا فجواب عمر أولاً كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبر بما اقتضاه الاختيار، ولذلك حصل الجواب بقوله: «الآن يا عمر» ، أي: الآن عرفت فنطقت بما يجب» (5) .
وفي الحديث الذي رواه مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال وهو في سياقة الموت (6) : «وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه» (7) .