وقولُه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} أي: من طهّر نفسه من دنس الكفر والشرك وسائر المعاصي والأخلاق الرذيلة، كما قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10] ، ولا تزكو نفسٌ إلا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واقتفاءِ أثره، فهو صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله في الأميين {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2] ، وقوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أي: أقام الصلاة في أوقاتها طاعة لله تعالى، وامتثالاً لأمره، ورغبةً في ثوابه، وقيل: إن المراد بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} زكاةَ الفطر، وصلاة العيد.
وقوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي: تقدمونها على الآخرة، {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ} من الحياة كلها، {وَأَبْقَى} والحياةُ الدنيا فانية.
وإيثارُ الدنيا على الآخرة له أسباب:
منها: الجهل: قال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] ، أي: لو كانوا يعلمون حقيقة الدنيا والآخرة ما آثروا الدنيا على الآخرة.
ومنها: قسوةُ القلب: قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}
[الحديد: 16] .