وأما الأحناف فالاحتكار عندهم من حيث اللغة هو احتباس الشيء انتظارًا لغلائه، والمراد به شرعًا: حبس الأقوات متربصًا للغلاء، أو هو: اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء أربعين يومًا مستدلين بحديث: «من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد بريء من الله، وبريء الله منه، وأيما أهل عَرْصَةٍ بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله» .
والحنابلة عندهم الاحتكار ما اجتمع فيه ثلاثة أمور:
1 -أن يكون قد حَصَّلَ السلعة بطريق الشراء وليس بطريق الجَلَب، فلو جلب شيئًا، أو أدخل من غلته شيئًا فادخره لا يكون محتكرًا، وذلك لحديث: «الجالب مرزوق، والمحتكر معلون» .
2 -أن تكون السلعة المشتراة قوتًا من الحبوب المقتاتة ونحوها، لأنه ما تعم الحاجة إليه، أما الإدام والحلواء والعسل والزيت وأعلاف البهائم فليس فيها احتكار محرم.
3 -أن يُضَيِّقَ على الناس في شرائه بأمرين: أحدهما: أن يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار كالثغور، وأما البلاد الواسعة كثيرة المرافق والجلب كالأمصار التي لا يؤثر فيها الاحتكار فلا يحرم.
وثانيهما: أن يكون في حال الضيق والشدة، كأن تدخل البلدَ قافلةٌ فيبادر ذوو الأموال بشرائها ويضيقون على الناس، وعلى هذا لا فرق بين البلد الصغير والكبير. أما الشراء في حال السَّعةِ والرخص بوجه لا يضيق على أحد فليس بمحرم.
هذا، وقد اتفق الفقهاء على تحريم الاحتكار في كل وقت في الأقوات أو طعام الإنسان؛ مثل الحنطة والشعير والذرة والأرز، والتين والعنب والتمر والزبيب ونحوها مما يقوم به البدن.
وكذلك اتفق الأحناف والشافعية والحنابلة على تحريم الاحتكار في طعام البهائم، وعند المالكية وأبي يوسف من الأحناف يحرم الاحتكار في غير الطعام في وقت الضرورة، لا في وقت السَّعَة، فلا يجوز عندهم الاحتكار في الطعام وغيره من الكتان والقطن وجميع ما يحتاج إليه الإنسان، أو كل ما أَضر بالناس حبسه قوتًا كان أو ثيابًا أو نقودًا.