والحديث المذكور آنفًا يفيد وجوب الرجوع إلى حكم السنة، وترك ما خالفها امتثالاً لأمر الله تعالى بإيجاب طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو نفس الاعتصام بالسنة وحقيقته، وقد كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يستفيدون أحكام الشرع من القرآن الكريم الذي يتلقونه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما كانت تنزل آيات القرآن الكريم مجملة أو مطلقة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يشرحها ويفصلها، وقد كانوا- رضوان الله عليهم- يلتزمون حدود أمره ونهيه، ويتبعونه في أعماله وعباداته ومعاملاته، وقد بلغ من اقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، أن كانوا يفعلون كما يفعل ويتركون ما ترك دون أن يعلموا لذلك سببًا، أو يسألوه عن علته وحكمته، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني اتخذت خاتمًا من ذهب فنبذه، وقال: إني لا ألبسه أبدًا، فنبذ الناس خواتيمهم» .
وقد بوب البخاري لهذا الحديث بقوله: «باب الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم» ، وعلق الحافظ ابن حجر على هذه الترجمة بقوله: «والأصل فيه قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، وقد ذهب جمع إلى وجوبه لدخوله في عموم الأمر بقوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه» ، وبقوله: «فاتبعوني يحببكم الله» (11) .
ولما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه عام الحديبية بالتحلل تأخروا عن تنفيذ الأمر رجاء أن يأذن لهم في القتال، وأن ينصروا فيكملوا عمرتهم، قام فدخل على أم سلمة رضي الله عنها وذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام، فخرج، فلم يكلم أحدًا منهم، حتى فعل ذلك؛ نحر بُدْنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمّاً» (12) .