يقول الحافظ ابن كثير: كان أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي أحد أئمة الإسلام ومشايخهم ممن رغب في هذا المقام- يعني مقام تعليم القرآن- فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج. اهـ.
وكان السلف يحبون تعليم القرآن في الصبا؛ لأن الحفظ في الصغر أولى من الحفظ في الكبر، وأشد علوقًا بخاطره، وأرسخ وأثبت. روى البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم.
ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره، وهو من جملة من عنى الله بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] .
روى الإمام مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة- موضع في المسجد النبوي كان فقراء المهاجرين يأوون إليه- فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بُطحان- قيل بالضم، وقيل بالفتح: أحد أودية المدينة الثلاثة وهي بطحان والعقيق وقناة- أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين- ناقة كوماء عظيمة السنام طويلته- في غير إثم ولا قطع رحم؟» فقلنا: يا رسول الله، نحب ذلك، قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع ومن أعدادهن من الإبل؟» .
الإبل أعز وأثمن أموال العرب في صدر الإسلام، فرغب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى ما هو أفضل من ذلك، بأن يكون لهم رصيد من الحسنات عند الله أعظم من الإبل عند أصحابها في الدنيا، فكل آية أفضل من ناقة عظيمة السنام، سالمة من العيوب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.